ابن عربي

55

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

لا يخطر له خاطر الجزاء عليه من شكر ولا غيره ، فإن اقترن به طلب شكر جزاء فليس بوهب ، فالحق تعالى هو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 54 إلى 56 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 54 ) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( 55 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 56 ) إدريس عليه السلام كان نبيا ولم يجئ له نص في القرآن برسالته ، بل قيل فيه صديقا نبيا ، فكان عليه السلام من الأنبياء الذين بعثوا قبل نوح عليه السلام الذي هو أول رسول أرسل ، ويقال إن إدريس عليه السلام أول من كتب بالقلم من بني آدم ، فأول إمداد القلم الأعلى له عليه السلام ، كان قد أسري به إلى أن بلغ السماء السابعة فصارت السماوات كلها في حوزته ، ولما علم إدريس عليه السلام بالعلم الذي أوحاه اللّه إليه أن اللّه تعالى قد ربط العالم بعضه ببعضه ، وسخر بعضه لبعضه ، ورأى أن عالم الأركان مخصوص بالمولدات ، رأى اجتماعات الكواكب وافتراقها في المنازل واختلاف الكائنات واختلاف الحركات الفلكية ، ورأى السريعة والبطيئة ، وعرف أنه مهما جعل سيره وسفره مع البطيء أن السريع يدخل تحت حكمه ، فإن الحركة دورية لا خطية ، فلا بد أن يرجع عليه دور الصغير السريع ، فيعلم من مجاورة الهبط فائدة المسرع ، فلم ير ذلك إلا في السماء السابعة ، فأقام عندها ثلاثين سنة يدور معها في نطع فلك البروج في مركز تدوير وكيلها ، وفي الفلك الحامل لفلك التدوير ، والفلك الحامل لأفلاك التداوير وهو الذي يدور به فلك البروج ، فلما عاين ما أوحى اللّه في السماء ، وعاين أن الكواكب قريبة الاجتماع في برج السرطان ، فعلم أنه لا بد أن يكون اللّه ينزل ماء عظيما وطوفانا عاما لما تحققه من العلم ، ومشى مع دقائق الفلك فعلم الجمل والتفصيل ، ثم نزل فاختص من أبناء دينه وشرعه . ممن عرف أن فيه ذكاء وفطنة ، فعلّمهم ما شاهد وما أودع اللّه من الأسرار في هذا العلم ، وأنه من جملة ما أوحى اللّه في هذه السماوات أنه يكون طوفان عظيم ويهلك الناس وينسى العلم ، وأراد بقاء هذا العلم على ما يأتي بعدهم ، فأمر بنقشها في الصخور والأحجار ، وكان عليه السلام